محمد بن جرير الطبري

223

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

على الذي عزم لكم منه ، فلتكن منزله ذلك منكم ، وفضيلته في أنفسكم على قدر حسن بلاء الله عندكم فيه إن شاء الله ، ولا قوه الا بالله . ثم إن أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشيء من الأمور أشد اهتماما وعنايه منه بهذا العهد ، لعلمه بمنزلته من امر المسلمين ، وما أراهم الله فيه من الأمور التي يغتبطون بها ، ويكرمهم بما يقضى لهم ويختار له ولهم فيه جهده ، ويستقضى له ولهم فيه إلهه ووليه ، الذي بيده الحكم وعند الغيب ، وهو على كل شيء قدير ويسأله ان يعينه من ذلك على الذي هو ارشد له خاصه وللمسلمين عامه فرأى أمير المؤمنين ان يعهد لكم عهدا بعد عهد ، تكونون فيه على مثل الذي كان عليه من كان قبلكم ، في مهله من انفساح الأمل وطمأنينة النفس ، وصلاح ذات البين ، وعلم موضع الأمر الذي جعله الله لأهله عصمه ونجاه وصلاحا وحياه ، ولكل منافق وفاسق يحب تلف هذا الدين وفساد أهله وقما وخسارا وقدعا فولى أمير المؤمنين ذلك الحكم ابن أمير المؤمنين ، وعثمان بن أمير المؤمنين من بعده ، وهما ممن يرجو أمير المؤمنين ان يكون الله خلقه لذلك وصاغه ، وأكمل فيه أحسن مناقب من كان يوليه إياه ، في وفاء الرأي وصحه الدين ، وجزاله المروءة والمعرفة بصالح الأمور ، ولم يالكم أمير المؤمنين ولا نفسه في ذلك اجتهادا وخيرا . فبايعوا للحكم بن أمير المؤمنين باسم الله وبركته ولأخيه من بعده ، على السمع والطاعة ، واحتسبوا في ذلك أحسن ما كان الله يريكم ويبليكم ويعودكم ويعرفكم في أشباهه فيما مضى ، من اليسر الواسع والخير العام ، والفضل العظيم الذي أصبحتم في رجائه وخفضه وامنه ونعمته ، وسلامته وعصمته . فهو الأمر الذي استبطاتموه واستسرعتم اليه ، وحمدتم الله على امضائه إياه ، وقضائه لكم ، وأحدثتم فيه شكرا ، ورأيتموه لكم حظا ، تستبقونه وتجهدون أنفسكم في أداء حق الله عليكم ، فإنه قد سبق لكم في ذلك من نعم الله وكرامته